مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

60

تفسير مقتنيات الدرر

والقسم الثاني وهو الَّذي لا يجوز فيه المساهلة فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف وهو كلّ خصلة حميدة بيّنها الشارع وتعرف صوابها العقول السليمة فعلَّم رسوله في هذه الآية بمحاسن الأفعال ومكارم الخصال . روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية سأل رسول اللَّه جبرئيل عن ذلك فقال جبرئيل : لا أدرى حتّى أسأل العالم ثمّ أتاه فقال : يا محمّد صلى اللَّه عليه وآله إنّ اللَّه يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك وتعطى من حرمك وتصل من قطعك * ( [ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ] ) * وهو كلّ ما حسن في الشرع والعقل ولم يكن منكرا * ( [ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ] ) * بعد قيام الحجّة عليهم إذا قابلوك بالسفه صيانة على قدرك ولمّا نزلت هذه الآية قال : يا ربّ كيف والغضب فنزل قوله : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 200 ] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ِ إِنَّه ُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) نزغ الشيطان عبارة من وساوسه ونخشه « 1 » في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي ونزغت بين القوم إذا أفسدت ما بينهم وقيل : « النزغ » الإزعاج وهو الحركة إلى الشرّ وأكثر ما يكون عند الغضب . ولمّا كان من المعلوم أنّ عند إقدام السفيه على السفاهة يهيّج الغضب فعند ذلك يجد الشيطان مجالا فينزغ ويحرّك الإنسان على ما لا ينبغي فقال سبحانه دواء هذا الداء بقوله : * ( [ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ِ ] ) * وهو أن يتفكّر الإنسان عظم نعمته وشديد عقابه وهو التذكّر يدعوه إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والغضب وبهذا النصّ ثبت أنّ لهذه الاستعاذة أثرا في دفع نزغ الشيطان فالمواظبة على هذا الأمر لازمة في أكثر الأحوال * ( [ إِنَّه ُ سَمِيعٌ ] ) * بدعائك * ( [ عَلِيمٌ ] ) * بحالك . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 201 إلى 202 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) وصف سبحانه حال المتّقين من نزغ الشيطان فقال : إنّه * ( [ إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ] ) * من طاف به الخيال وألمّ به وأحاط كأنّها تطوف وتدور حولهم لتوقعهم بالمهلكة * ( [ تَذَكَّرُوا ] ) * بالاستعاذة واستعاذوا به تعالى وتوكّلوا عليه * ( [ فَإِذا هُمْ ] ) * بسبب ذلك التذكّر والاستعاذة * ( [ مُبْصِرُونَ ] ) * واقع الخطاء ومكائد اللعين ومعنى « إذا » هاهنا للمفاجاة .

--> ( 1 ) نخشه : حثه على امر .